بانتظار المخلص | Toufic Abdul-Al
218
page-template-default,page,page-id-218,page-child,parent-pageid-938,ajax_fade,page_not_loaded,,qode_grid_1300,qode_popup_menu_push_text_top,qode-content-sidebar-responsive,columns-4,qode-theme-ver-10.0,wpb-js-composer js-comp-ver-4.12,vc_responsive

بانتظار المخلص

حملتني نفسي على أجنحة الخيال…علها تبعدني عن واقع الحياة المسدل عليها ستار

الظلم…وفيما أنا أطوف عالم التأمل مفتشاً عن ركنٍ هادىء…اذا بشريط الذكرى يداهمني،

ليضعني أمام النفوس المعذبة التي تسكن على أرضٍ لا مكان لهم فيها الا لدموع غزيرة

يزرفونها…علهم يطهرون ما أفسده الطغاة…

ومن ستارة الخيال برز شيخُ عجوز يرتدي ثوب الأثير، ناديت العجوز بصوت خرج من

أعماقي، عله يكون لي مصباح هدى…التفت الي متسائلاً…سمعت ما هتفت به نفسك لذاتي، وأنا

الآن طوع بنانك أرد على أسالتك، هات ما عندك يا بني…قلت جئت طالباً ادلالي على طريق

الخلاص، حيث يسكن ملاك الرحمة، مجفف دموع البؤساء… الحاني على الضعفاء والمطمئن

الحيارى.

هز رأسه متسائلاً وقال…ولكن من أتى بك الى عالم التأمل؟

أجبت، هربت من واقع مؤلم حيث يعيش الأقوياء على أجساد الضعفاء، ينتزعون منهم الأرض

ويشيدون قصورهم وكأنها حق لهم من السماء، يبنون أبراجهم على أجساد ذنبها أنها مسالمة.

…قال، الا تخاف الارتفاع فوق الحواجز العالية؟

…قلت، الذين يعيشون بين النجوم، هم أرقى وأسمى من الحواجز مهما علت.

…قال، ولكن من الحكمة أن لا تحلق كثيراً على أجنحة الخيال والتأمل خوفاً من أن يمزق الواقع

جناحيك وتهوى حطاماً…

قلت، ربما الحطام يذكر الانسان بنهاية الموكب مهما طال.

قال، سر بقربي ربما استطعت أن أريك عبرة تذكرها لقومك.

مشينا خطوات واسعة مخترقين حواجز الزمن…وأشار باصبعه قائلاً…هناك تجد جواب سؤالك.

نظرت حيث أشار…واذا بأعمدة ثلاث عليها أشكال أشبه بأجساد آدميين مشوهين.

سألته الطريق…ولكن لم أسمع جواب. كان قد غاب بين ضباب كثيف حاجباً عن غيبي الزمان.

…عدت أنظر حيث أشار باصبعه نحو الأعمده الثلاث حتى اقتربت وتبين لي أن هذه الأعواد ما

هي الا مشانق تحمل بقايا أجساد، والروح ما زالت تلبها، وكأنها ما بقيت الا لتعذب أصحابها.

سألت الأول ماذا فعلت لتنال مثل هذا العذاب؟

وبصوت أشبه بالأنين أجاب…أعماني بريق الذهب،فبعت نفسي وبلدي لشيطان المال…وها أنا

أدفع ثمن فعلي عذاباً مستمراً لا أعرف له آخر.

ثم اتجهت الى الثاني وسألته…وأنت ماذا فعلت لتنال مثل هذا العقاب؟

…أجاب…لقد صمت آذاني صرخات المجد وحب الذات، ومشيت أقود شعبي لا دفاعاً عن

الكرامة وشرف القتال، بل حباً لتخليد شخصي، حتى جررته الى الهاوية، وها أنا الآن طعاماً

لغراب حقير.

اتجهت للثالث…وكان قد سمع سؤالي مرتين…

قال، خدعت أهلي وقومي من على المنابر…لأني كنت أقول ما لا أؤمن به، وأحدث بما لا أقتنع

بفحواه، ومنادٍ بعمل لست قادماً على تنفيذه، حتى خذلني الحق، وواستني الحقيقة، وها أنا أواجه

واقعاً لم أكن أتصوره…

وبينما هو في حديثه…واذا بآلاف الغربان تجوب السماء وتلتف حول الأعواد الثلاث ليطويها

عالم الغيب.

صرخة مدوية من المذنبين الثلاث مرددين صوتاً واحداً…

اذهب من هنا أيها المتأمل وانقذ مصابيح الحق المعلقة على أعواد المشانق في أرضك.

…أردت أن أسألهم الطريق…ولكنهم غابو مع السراب.